أضيف في 23 شتنبر 2020 الساعة 16:10

حرية وواقع الصحافة بالمغرب


 

     أجرى الحوار:  محمد جليد

خلال السنوات القليلة، شهد مجال الصحافة المغربية انزلاقات كثيرة على مستوى مراقبة أداء الصحافيين، سواء عبر التضييق أو عبر المحاكمات الصورية، الخ. إذ انتهت هذه الانزلاقات، في كثير من الأحيان، إلى إسكات الصوت الإعلامي، مثلما كان الأمر مثلا بالنسبة إلى الإعلامي علي أنوزلا وتجربته في موقع "لكم".

ومن هنا، تطرح هذه الانزلاقات أسئلة عميقة حول إمكانيات ضمان الحرية في مغرب ما بعد دستور 2011. هل يتعلق الأمر بإعادة النظر في قانون الصحافة إجمالا؟ أم أن المسألة تمتد إلى ما هو أبعد من القانون المنظم، أي إلى السياسة العامة للبلاد، وإلى الوعي الجمعي للمواطنين؟ تلك بعض الإشكاليات الفكرية التي نطرحها، بنوع من التفصيل، مع الكاتب والإعلامي عبد الله الدامون، مدير جريدة المساء، في انتظار بعض الأجوبة التي سيحملها قانون الصحافة المرتقب.



محمد جليد: نستهل هذا الحوار بما قاله الكاتب والصحافي الفرنسي "إدوي بلينيل": "ليست حرية الصحافة امتيازا للصحافيين، وإنما هي حق للمواطنين". إلى أي حد تنطبق هذه المقولة مع واقع حرية الصحافة في المغرب؟

عبدالله الدامون :  إذا اعتبر كل صحافي أنه ليس سوى أداة من أجل خدمة الناس والمجتمع، والإنسانية عموما، فهذه المقولة تكون في الصميم، لكن إذا كان الصحافي يعتبر نفسه مجرد موظف "يْقْضي باللّي كايْن" في انتظار نهاية الشهر لقبض راتبه فإن كل المقولات الفلسفية والمهنية ليست سوى أوراق خريف متساقطة تذروها الرياح.

حرية الصحافة تبدأ من داخل عقل الصحافي وتنبع من تجربته الشخصية والمهنية ولا تمنحها له الأوراق والدساتير، ومن الضروري أن نعود قليلا إلى الماضي، إلى سنوات الرصاص، حيث كان الصحافيون يعانون كل يوم وكل ساعة من أجل كتابة كلمة حرة، ونحن نعيش اليوم في هامش أوسع قليلا، لكن المشكلة هي أننا لو استكنا ورضينا بهذا الهامش الضيق فإنه سيضيق علينا أكثر، وسنعود إلى وضعية شبيهة أو أسوأ من زمن سنوات الرصاص.

محمد جليد: صدر في الآونة الأخير تقرير عن منظمة "فريدم هاوس"، يصنف المغرب في الرتبة 145 من حيث التزامه بحرية الصحافة. فيما تعتبر الجهات الرسمية المسؤولة عن القطاع أن المغرب قطع أشواطا مهمة في هذا المجال. كيف تنظر إلى هذا التعارض بين التقارير الدولية والتصريحات المحلية حول تقييم حرية الصحافة؟

عبدالله الدامون: "الرسميون" يُنظّرون للمغرب ولا يعرفون واقعه، لذلك فإن الموقف الرسمي من حرية الصحافة يشبه موقف ذلك الشخص الذي غاب عن المغرب لسنوات طويلة ثم دخل البلاد عبر الطريق السيار فأبهره ذلك، ثم توقف في الطريق واحتسى القهوة في محطة استراحة متطورة بها "سرْبايات" أنيقات وجميلات، بعدها دخل متجر "موروكو مول"، مثلا، ووجد أفضل وأغلى الماركات العالمية. هذا الشخص سيعتبر أن المغرب تطور بشكل خرافي. لكن بعد ذلك سيكتشف التفاصيل المفجعة. سيدخل أقسام المستعجلات في المستشفيات العمومية، وسيزور المدارس البعيدة في الجبال والإدارات الوسخة، وسيعطي الرشوة لقضاء حوائجه، وقد يعاين أمهات حوامل يتم حملهن في توابيت لعدم وجود طرق وسيارات إسعاف. هذا هو الحال بين النظرية الرسمية وبين الواقع المر في مجال حرية الصحافة.

الذين يعتقدون أن مجال الحرية توسع، هم في الأصل لا يكتبون شيئا، ولا يغامرون بكتابة الأخبار التي ستقلق الأقوياء، سواء كان هؤلاء الأقوياء من "المخزن" أو من دواليب الاقتصاد والأحزاب وغيرها. والمشكلة الكبرى أن الصحافيين في المغرب يتوزعون اليوم إلى قسمين، قسم "يقول آمين" لكل شيء، وقسم يحاول أن يكون محايدا ويصف الأشياء بأسمائها، أي أن يسمي الحمار حمارا والكلب كلبا والبعوضة بعوضة، وهذا ما لا يروق للكثيرين الذين يريدون أن نسمي الأشياء بغير أسمائها، بل بما يفتيه علينا الآخرون.



محمد جليد: يسجل التقرير ذاته تراجع مؤشر حرية الصحافة في المغرب منذ الحراك الشعبي سنة 2011، رغم ما أقره الدستور الجديد. حالات التضييق على حرية الصحافة كثيرة في هذا المجال، لعل أبرزها اعتقال الصحافي علي أنوزلا، مدير موقع "لكم.كوم". في نظرك، لماذا لم تترجم بعض مطالب الشارع المغربي إلى حرية أكبر في مجال التعبير الإعلامي؟

عبدالله الدامون: حرية الصحافة تنبع من حرية المجتمع عموما، فلا يعقل أن يكون المجتمع مقيدا والصحافة حرة. أنت سقت مثال اعتقال الصحافي علي أنوزلا، وقضيته هي تقريبا نفس قضية صحيفة "إيل بايس" في إسبانيا، حيث أن الحكومة المغربية خسرت دعواها في إسبانيا، وهي الدعوى نفسها التي اعتقل بسببها أنوزلا في المغرب. في الغرب الصحافة حرة لأن المجتمع حر، وفي المغرب الصحافة مكبلة لأن المجتمع مكبل.

يجب ألا نعوّل كثيرا على الأوهام وننتظر الكثير من الشارع المغربي. الشارع تأثيره محدود جدا، وأنتم رأيتم كيف كان الحراك المغربي إبان مطالب التغيير تحت يافطة "حركة 20 فبراير"، كان ألْف من الناس، مثلا، يسيرون في مظاهرة مطالبة بالتغيير ومحاربة الفساد، وعلى الأرصفة يقف خمسة آلاف من الناس يتساءلون عن أسباب المظاهرة. الشارع المغربي عجيب، وربما عبثي، وهذا ناتج عن ترسبات سنوات وعقود طويلة، ولا أجازف إن قلت إنه ترسب تاريخي يمتد على مدى قرون وتتوارثه الأجيال.

محمد جليد: يبني تقرير "فريدوم هاوس" تطور حرية الصحافة على ثلاثة عوامل هي البيئة الاقتصادية والتشريع القانوني وتأثير السلطة السياسية. هل تعتقد أن قانون الصحافة المرتقب قادر على توفير حرية أكبر تجاه هذه العوامل الثلاثة؟

عبدالله الدامون: هي ثلاثة عوامل أساسية، لكنها ليست حاسمة، كما أن هذه العوامل تتغير من بلد إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى.

البيئة الاقتصادية في المغرب لم تستطع بعد إنتاج إعلام حقيقي، بغض النظر إن كان حرا أم لا. رجال الأعمال لا تهمهم الصحافة إطلاقا، وربما يرددون في أعماقهم ما قالته الإسرائيلية، غولدا مايير، من كون الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت. إنهم يرددون كذلك عبارة "الصحافي المغربي الجيد هو الصحافي الساكت.. أو المرتزق".

بالنسبة للتشريع القانوني، فإنه يبقى قضية نظرية مهما كان متقدما وجريئا. انظروا إلى الدستور كيف نص على الحق في الوصول إلى المعلومة، بينما بقيت الحالة كما هي، وربما أسوأ.

السلطة السياسية ليست موحدة في المغرب، هناك سلطة المخزن، وهي فوق سلطة الجميع، ثم سلطة المال، وهي أيضا قوية ومتجذرة ومرتبطة كثيرا بالسياسة. وسلطة الأحزاب واللوبيات وغيرها.

وسط مجتمع تتداخل فيه السلط وتلعب فيه اللوبيات أدوارا مركزية وحساسة، من الصعب أن نتحدث عن قانون متطور للصحافة. من الأكيد أن القانون الجديد يضم نقاطا عديدة يراها البعض جذرية أو متطورة، لكنها تشبه قانونا خاصا باستعمال وتوزيع الماء على كوكب المريخ.

محمد جليد: ألا ترى أيضا أن المجتمع دفع، في بعض الأحيان، إلى كبح حرية الصحافة؟

عبدالله الدامون: ليس لدينا مجتمعا واحدا، عندنا مجتمعات متفرقة، مجتمع ضدك ومجتمع معك، مجتمع معك اليوم وضدك غدا، مجتمع معك أو ضدك حسب الظروف، لكن الحقيقة أننا نسعد بكل أولئك الناس الذين يشدّون على أيدينا باستمرار، لأننا جميعا نحمل هما واحدا لهذا الوطن، لكن من حق الناس أن يحبوا وطنهم بالطريقة التي يريدون، فلا أحد يملك وصاية على أحد، رغم أننا نعاني أكثر مع الذين يحبون الوطن كلما أعطاهم الكثير من "الحليب"، ومباشرة بعد أن يجف الضرع يكرهون الوطن، ويبدؤون في البحث عن وطن آخر. هذا، ربما، هو السبب الذي يجعل الكثير من مسؤولينا وأغنيائنا يتدججون بجنسيات أجنبية كما لو أنهم يتدججون بآخر الأسلحة تطورا وفتكا، وأحيانا يشترونها بمئات الملايين.

المشكلة الأخرى هي أن المغرب به نسبة عالية من الأمية، أي الناس الذين لا يقرؤون ولا يكتبون بالمرة، وهناك نسبة أخرى من الأمية الواقعية، أي الناس الذين يقرؤون ويكتبون، لكنهم لا يفهمون. وهناك نسبة أخرى من الأمية، وهي أن الناس الذين يفهمون ظاهريا لا ينْفذون بفهمهم إلى عمق الأشياء. والغريب أنه يمكن أن تجد أميّا يفهم عمق الأشياء أفضل بكثير من ذلك الذي يحمل شهادات عليا.

أعطيك مثالا أوضح، نحن نقف باستمرار أمام المحاكم، والذين يحاكموننا هم "الناس اللّي قارْيين"، يعني أولئك الذين كنا نتوسم فيهم الخير لكي يساعدوننا لندفع بحرية الصحافة إلى الأمام.

هناك مسألة أخرى، وهي أننا نقف أمام المحاكم بدعاوى مرفوعة ضدنا أيضا من طرف السلطات أو جهات تابعة للدولة، وأنا شخصيا محكوم بقرابة سنتين موقوفة التنفيذ، وهي كلها، تقريبا، أمام جهات رسمية. سوف نكون أغبياء فعلا لو تفاءلنا أكثر من اللازم بقانون الصحافة.

محمد جليد: ما هي أهم المؤاخذات على المسودة المتسربة من قانون الصحافة المرتقب؟ هل ترى أن حذف العقوبات الحبسية مكسبا كافيا؟ ألا يخشى أن يتم توسيع العقوبات المالية في مقابل هذا المكسب؟

عبدالله الدامون: من الضروري أن نحاسب قانون الصحافة الجديد في شموليته، وليس في أجزائه. لكن الأكيد أنه يحمل جديدا بخصوص العقوبات الحبسية التي سيتم تهميشها، ولا أقول حذفها، مقابل توسيع هامش العقوبات المالية.

نحن نردد دائما حكمة تقول "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق"، ونحن في جريدة "المساء" عانينا كثيرا من قطع الأعناق والأرزاق معا، وأبرز مثال هو حكم الستمائة مليون ضدنا.

الاقتصار على العقوبات المالية هو شيء محمود إن كان الهدف منه الردع، لكن المشكلة أن لوبيات الفساد ستجعل منه مقصلة حقيقية لقص حرية التعبير وإرهاب الصحافيين. مرة كتبتُ عن لوبيات العقار وفساد مشاريعهم وجشعهم فأقاموا ضدي دعوى تطالبني بأداء مليار سنتيم. هذا حمق فريد من نوعه. وهناك أمثلة كثيرة أخرى من بينها مكتب المطارات الذي طالب بـ400 مليون سنتيم وأراد الحجز على "أملاكي" فوجدني بلا أملاك وأسكن في منزل للكراء. أنا شخصيا، لو كانت لدي أملاك فسأفضل دخول السجن عوض مصادرة رزقي ورزق عيالي.

محمد جليد: ألا ترى أن مطلب الحرية رهين بإقرار قانون الحق في الولوج إلى المعلومة، الذي يفرض على كل جهة رسمية أو غير رسمية الكشف المعلومات التي بحوزتها؟

عبد الله الدامون: في آخر تعديل للدستور هناك تنصيص واضح وصريح ومباشر على حق الوصول إلى المعلومة، لكننا، نحن الذين نزاول هذه المهمة كل يوم وكل ساعة، نعرف أن الدستور شيء والواقع مسألة أخرى مختلفة تماما. العقليات المتحجرة لا تعترف بدستور قديم ولا بدستور جديد، لذلك فإن حق الوصول إلى المعلومة لا يزال صعبا، ولن أجازف إن قلت إنه يزداد صعوبة، لأننا نلاحظ ردة في كثير من المجالات، وهذه العقليات المتحجرة لا تريد أن تفهم أن الصحافي يريد الحصول على المعلومة ليس ليتاجر بها أو ليضعها في صندوق حديدي ويقفل عليها مثل حجر ألماس، بل ليضعها أمام عيون المواطنين.

محمد جليد: إلى أي حد ساهم مشروع تحرير القطاع السمعي البصري في توسيع هامش الحرية؟ ألا ترى أن هذا المشروع ساهم في تكريس الابتذال، بدل تعزيز القول الحر داخل هذا المجال؟

عبدالله الدامون: هناك مشكلة كبيرة جدا فيما يخص فهم كل طرف لحرية التعبير. مثلا، لو أوقفنا أحدا يسير في الشارع وقلنا له "أنت الآن حر"، فقد يتوجه نحو أقرب مكان ويبدأ في التبول في الشارع العام على اعتبار أنه حر.

هذا ما لاحظناه عندما بدأ تحرير قطاع الإعلام، وخصوصا في مجال الإذاعات، حيث تراكمت البرامج المبتذلة التي وصلت حد "بث" صريح للبورنو والمشاهد الجنسية المثيرة.

اليوم، وحتى في القنوات التلفزيونية، نرى برامج تقتات من بؤس الآخرين وتستضيف باستمرار أناسا فقراء وأميين لخلق الإثارة، بل هناك برامج تتغذى على الفبركة والأكاذيب. كنا نعتقد أن تحرير القطاع الإعلامي سيوسع هامش الحرية ويدفع بالبرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى الأمام، فوجدنا العكس تماما، والغريب أن هامش الحرية في التسعينيات، في "القناة الثانية" مثلا حين كانت مشفّرة، هو أوسع بكثير من الهامش الموجود حاليا.

محمد جليد: أخيرا، إلى أي حد يمكن لميثاق أخلاقيات المهنة أن يحد من انزلاقات الحرية؟ ولماذا تُغيّب أغلب وسائل الإعلام هذا الميثاق في أقسام تحريرها؟

عبدالله الدامون: هناك مشكلة داخلية طبعا في وسائل الإعلام. هناك صحافيون لا يفرقون بين الحرية وبين التهجم على حريات وخصوصيات الآخرين. حريات الأفراد الشخصية لا ينبغي الاقتراب منها، ما عدا إذا تحولت تلك الحريات الشخصية إلى استفزاز صريح ومباشر للمجتمع وأخلاقه ومبادئه.

هناك صحافيون ضعفاء الخبرة والتكوين، بل وحتى اللغة، وهؤلاء يشكلون مشكلة حقيقية، ليس لمن يكتبون عنهم فقط، بل أيضا لأنفسهم وللمنابر الإعلامية التي يعملون بها. الصحافي يجب أن يكون حرا، لكن يجب أن يكون نزيها، ويجب أن يكون شجاعا، لكن يجب أن يكون حذرا أيضا، لكن المشكلة أعمق من هذا، فالمجتمع كله لا ضوابط له في مجالات كثيرة، ومن الصعب أن نأمر الصحافي بأن يكون الوحيد المنضبط جدا في وقت لا ينضبط فيه السياسي، ولا الطبيب، ولا الوزير، ولا الزعيم الحزبي، ولا المحامي، ولا المسؤول الأمني، ولا البائع المتجول.

دعني أنهي لك بمثال قد يلخص كل شيء. الصحافة مثل عربة في قطار، والقطار هو البلد.

 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا