أضيف في 3 أكتوبر 2017 الساعة 16:32

أخلاقيات المجال العمومي


       افتتح الأستاذ المختار بنعبدلاوي مداخلته باستعراض أهمية أخلاقيات الحوار في المجال العمومي باعتباره مجال ينبغي أن يحتكم إلى خطاب حجاجي، يسري في حقل اجتماعي تتجسد فيه دولة القانون التي تحترم الحريات الفردية، وتوفر حد أدنى من التنمية البشرية، ما يوفر إمكانية لنضج الوعي السياسي.  فهذا الوعي هو الكفيل بالقطع مع منطق الحشد الذي يعتبر سلوكا للهدم بدل البناء، بمعنى أن الحشد هو سلوك لاعقلاني اندفاعي فاقد لخطة للبناء، وهو واقع الحراك العربي الذي كان محكوما بمنطق الحشد الهدام، ولم يقم على خطة عقلانية من أجل البناء.

       أصبح انفتاح العالم الافتراضي أساسا ينبغي أن يقوم عليه المجال العمومي، بحيث لا معنى لهذا الانفتاح دون استحضار البعد الذاتي الذي يتمثل في ملكة الفهم التي تعد وليدة سياقات زمنية مختلفة قائمة على إعادة مساءلة التصورات السياسية بشكل دائم و مستمر. فالتصورات السياسية تتطلب بلوغ توافقات تساير الأزمنة السياسية وانتظارات المجتمع، لذلك تبقى النظرية السياسية التي تحكم السلوك التوافقي نظرية متغيرة، وليست عقيدة ثابتة. فالتصور النظري الذي قدمه المفكر المغربي عابد الجابري حول الكتلة هو بناء نظري لتوافق سياسي يجسد أخلاقيات المجال العمومي. 

       فأخلاقيات المجال العمومي هي أس الحداثة، وضمانة أساسية قادرة على نمكين المجتمع من تمنيع  نفسه تجاه كل أشكال الأزمات والعنف المجتمعي.فالمجتمعات الأوروبية نفسها تعيش أزمة الديمقراطية التمثيلية، نظرا لغياب التفعيل العملي للمساءلة والمحاسبة، ما أدى إلى فساد النخب و انفصالها عن المجتمع.

       فيما قدمت الأستاذة عائشة البركاوي مداخلة تمحورت حول النوع كمحدد لفهم أخلاقيات المجال العمومي، مبرزة السلوك اليومي للمغاربة في المجال العمومي باعتباره سلوك قائم على العنف الذكوري ضد المرأة. فثنائية التمييز بين المجال العام و المجال الخاص هي الثنائية التي توجه الوعي النسائي المغربي من خلال النظر للمجال العام كمجال ذكوري محظور على المرأة. فما العلل التي تولد العنف اليومي ضد المرأة في المجال العمومي ؟


       لابد من القول بأن المجال العمومي يعكس هوية ثقافية. والثقافة حاملة لمعاني جماعية تشكل التصور السائد للنوع الاجتماعي داخل المجتمع. فالنوع هو تكوين سوسيوثقافي منضبط للزمن، وتتشكل عبره علاقات السلطة، ويمكن الكشف عن محددات النوع من رصد أشكال التمييز و اللامساواة والإقصاء  والعنف في المجال العام، وكذا أنظمة الهينة الثقافية. كل هذه الأشكال ينبغي أن تستحضر الوسائط التي تمر منها الثقافة للأفراد، وهي مؤسستي الأسرة و المدرسة باعتبارهما المؤسستين اللتان تقومان بدور محوي في تشكيل النوع الاجتماعي.

       بينما عنون الأستاذ عبد العالي معزوز مداخلته بالأسس الفلسفية للأكورا المغربية، معرفا المجال العمومي من خلال الطرح الذي قدمه الفيلسوف كانط حول " العمومية". هذا الطريح يقود إلى مقولات كانط : تجرأ على المعرفة، وأخرج من حالة القصور، وفكر بنفسك لا تحث وصاية الآخرين. مقولات وغيرها تكشف عن دعوى واضحة للاستعمال العمومي للعقل عند كانط. فهذا الاستعمال هو خروج من وصاية الأوامر الأخلاقية حتى يستطيع الإنسان التفكير بنفسه دون وساطة الغير.


       وطور مفهوم عمومية العقل الفيلسوف هابرمارس من خلال كتابه أخلاقيات المناقشة الذي أورد فيه أن المجال العمومي متناقض مع فكرة امتلاك الحقيقة، فكل ما يستلزمه المجال العام هو إدعاء الصلاحية بدل تملك الحقيقة. فإدعاء صلاحية الحقيقة تستلزم تأسيس خطاب حجاجي في علاقة الذات بالعالم الخارجي، وعلاقة الذات بنفسها، وكذا العلاقة البينية بين الذات و الآخر. فإذا كانت الديمقراطية هو المفهوم الإجرائي الذي طوره الغرب، فإن هذه الأخيرة تعد النظام السياسي الأضعف لأنها قد تقود إلى متاهات الفوضى و الدوغمائية، و كذا الاستبداد الناعم الذي يرسخ لدى الوعي الفردي أنانية ذاتية، وانشغالا مفرطا بالرغبات المبتذلة دون التفكير في الشان العام.

       أما الأستاذ محمد عبد الوهاب العلالي فقد وضح أن المجال العام ينبغي وضعه في إطار العلاقة الكامنة بين السلطة التنفيذية والتشريعية و القضائية والإعلامية والمجتمعية، معتبرا أن غياب التفاعل بين المكونات السالفة الذكر يؤذي إلى العودة إلى حالة ما قبل الديمقراطية، وهي حالة نكوصية تهدد كيان المجتمع.  في البداية من الضروري التمييز في المجال العام بين المجال الفيزيائي والمجال اللافيزيائي. فالمجال الفيزيائي هي النوادي و المساجد و مقرات الأحزاب وغيرها، أما المجال اللافيزيائي فهو وسائل الإعلام والصحافة التي لها تأثير قوي على الأنظمة السياسية العريقة.


       يحتاج المجال العمومي إلى تخليق يلامس مثلث السياسية و الإدارة و المواطن، وذلك من أجل التصدي إلى اقتصاد الريع واختلاس المال العام والتهرب الضريبي وتهريب الأموال، كمظاهر للفساد تسري في أحشاء المجتمع. وتعمل وسائط العالم الافتراضي في هذا السياق على تشكيل قناعات لدى الوعي الجمعي، بحيث تتحول القناعات إلى سلوكات مادية تغذي ممارسات الفساد السائدة في مثلث السياسة و الإدارة والمواطن. ومن ثم تظهر أهمية التفكير في مجتمع المعرفة التي تقع من أولوياته تفعيل التربية الإعلامية التي تمكن المتلقي من تفكيك القناعات، و تقليص تنامي ظواهر الفساد.

       في حين توجهت مداخلة الأستاذ سعيد هلاوي نحو إبراز أهمية الاشتغال على موضوع  أخلاقيات المجال العمومي من زاوية الفاعل المدني، وليس فقط من الزاوية الأكاديمية رغم أهميتها المنهجية والمفاهيمية. فنحن اليوم في زمن تغيب فيه المثاقفة. فالمجال العام اليوم لا يولد ثقافة قادرية على تغذية وعي الفرد بقيم المواطنة، بل أصبح ينتج سلوكات مخيفة تدق ناقوس الخطر . فإذا كان الفيلسوف هابرماس من خلال فلسفته التواصلية استطاع التجرؤ على مراجعة الأسس الفكرية للحداثة و الأنوار، فإننا في المغرب في حاجة إلى الإطلاع على المعرفة التاريخية التي تحبل بأشكال تقليدية من التوافقات المجتمعية التي تستطيع أن تكون أرضية من أجل تشييد أخلاقيات المجال العمومي المغربي.


 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا