• الرئيسية | التفاصيل | رقم المادة:213 الزيارات:670

محمد الساسي: في فهم وتفكيك الظاهرة الإسلاموية

محمد الساسي

في حوار له مع مجلة رهانات العدد30، يحاول الفاعل السياسي وأستاذ العلوم السياسية "محمد الساسي" فهم وتفسير صعود الإسلاموية في نهاية القرن الماضي بعلاقتها بالثورة الإيرانية؟ ومستوى التربية والتعليم والثقافة السياسية؟ ولماذا هي ظاهرة مرتبطة بالإسلام؟ هل لخصوصية يحملها الإسلام؟ أم لاعتبارات أخرى؟


صحيح أن الثورة الإيرانية لعبت دورا في تأجيج النزعة الإسلاموية داخل صفوف شعوبنا المغاربية والعربية، لكن هل الثورة الإيرانية كانت هي السبب؟ طبعا حين تكون هناك ثورة وتنجح دائما تغذي الحلم لدى شعوب أخرى ومجتمعات أخرى لتكرار نفس السيناريو، لإعادة نفس الحلم بتلك التفاصيل التي تَمَّ بها، وتهيئة الزعيم في صورة شبه مطابقة للزعيم الذي كان في الثورة التي خيضت من قبل إلخ. توجد هذه الظاهرة المتمثلة في استيحاء واستلهام مشروع معين فالنجاح دائما يكون محفزا للتكرار وخوض التجربة المماثلة في مجتمعات وسياقات أخرى ولصنع يوتوبيا، ولكن هناك طبعا –في رأيي- عوامل أخرى ربما ثقيلة، فاعلة ووازنة هي التي ساهمت، أكثر، في تأجيج النزعة الإسلاموية في مجتمعاتنا، من تلك العوامل هي أننا عشنا دورة وطنية ودورة قومية ودورة يسارية ودورة ليبرالية، وأحست مجتمعاتنا بأنها خُذِلَت طوال هذه الدورات، هناك في مرحلة معينة طبعا كانت ترفع الشعارات الوطنية، والشعارات القومية، ثم حُكِمَ الناس بمنطق اليسار والتحالف مع الاتحاد السوفياتي السابق، وبمنطق الأرض للفلاح والمعامل للعمال واقتسام الثروة، ثم حُكِمُوا بمنطق الانفتاح وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، وهذه المرحلة أدت إلى ليبرالية مشوهة وتنامي اقتصاد الريع والفساد. طبعا المرحلة اليسارية لدى البلدان التي عاشت، تحت وقع شعاراتها، تحولت عمليا إلى رأسمالية الدولة، والمرحلة الليبرالية تحولت إلى مرحلة القطط السمان وإلى مرحلة النهب ومرحلة الريع ومرحلة الفساد، فكان هناك حاجة إلى مشروع جديد وهذا المشروع الجديد لعبت فيه العولمة دورا أساسيا، لأن العولمة كسيرورة موضوعية لا يمكن فصلها عن دينامية التنميط، فالعولمة تتطلب من الناس أن يتخلوا من شيء عن ذاتيتهم وخصوصيتهم لركوب قطارها، وطبعا الذي لا يستطيع ركوب ذلك القطار سيصبح خارج التاريخ، وهذا القطار لكي تؤدي تذكرته يجب أن تقدم دفتر تحملات فيه تنازل عن بعض الخصوصيات، فيه قبول باقتصاد السوق بقدر معين، فيه قبول بحركة الذهاب والإياب المتعلقة بانتقال الأفكار والسلع والخدمات بين المجتمعات، فيه نوع من التبعية المتبادلة. إذن فهذا أدى شيئا فشيئا إلى تبلور نوع من الهوية العالمية النمطية. طبعا المجتمعات التي لم تستطع ركوب قطار العولمة، ولم تستطع جني ثمار العولمة، أي بقيت على هامشها، رد فعلها مزيدا من الانكماش داخل هوياتها الذاتية، خصوصًا مع اتقاد نزعة العدوان والسطوة التي مورست باسم تلك الهوية المعولمة، على الهويات المحلية مما أدى إلى أن الهويات المحلية حاولت أن تدافع عن نفسها وعن بقائها بشكل أو بآخر، في هذا الصراع وتَطَرَّفَتْ، أحيانا، في محاولة الدفاع عن هويتها الذاتية، وهذا شاهدناه، مثلاً، عبر نوع من التشظي الذي أصاب مجموعة من الدول وجعل مجموعات صغيرة فيها تعود إلى هوياتها الأصلية، فالعولمة تسير بسرعة خطيرة، والذي لا يستطيع مواكبة إيقاع تلك العولمة ينكمش وينغلق ويقفل على نفسه داخل بلاده، فيتذكر تاريخه الخاص الذاتي، يتذكر عناصر شخصيته الخاصة، وبعدما عاش العالم حالة معينة تراجع فيها الاهتمام بالدين نرى، حاليا، في جميع المجتمعات عودة، بنسبة ما، إلى الدين، هذه العودة هي في مواجهة العولمة، وهذه العودة إلى الدين لدينا نحن أخذت طابعا سلبيا، يمكن أن تأخذ العودة إلى الدين طابعا إيجابيا، ولكن عندنا أخذت طابعا سلبيا، ماذا نعني بالطابع الإيجابي والطابع السلبي؟ الطابع الإيجابي هو عندما تكون تلك العودة محفزا لك لترتبط بالآخرين ولتتعاون مع الآخرين من هويات وديانات أخرى، ولكي تتفاعل معهم وتكون قادرًا على التأثير فيهم. أما الطابع السلبي هو حينما تكون تلك العودة مبررا لكي تقطع مع الآخرين ولكي تستعدي الآخرين وتعاديهم وتعتبرهم نقيضًا لك، وتتعامل معهم على أساس تصفوي، أي أنه لا يمكن لك أن تُوجد أو تكون مشروعا إلا إذا قمت بالقضاء عليهم. وأيضا العولمة وجدت أيضا في سياق أدى إلى ما يسمى ب"الفوضى الخلاقة" في العالم، هذه الفوضى الخلاقة، لأنه في العولمة أيضا هناك شيء إسمه "اللانظام"، العولمة قائمة على "اللانظام"، فبالإضافة إلى حرية تنقل البضائع هناك، أيضاً، ظاهرة "اللانظام". فكرة الفوضى الخلاقة أعطت ضحايا، في الأغلبية الساحقة من الحالات التي وقعت فيها الفوضى والفتن والحروب، نكتشف بأن الضحايا هم المسلمون أولا قبل كل شيء، بالإضافة طبعا إلى نوع من التغول الذي ظهر لدى القوى العظمى بعد انتصار الليبرالية المتطرفة والعودة إلى العسكراتية والحروب، مما أدى إلى احتلال دول إسلامية، بعد أن كنا نعتبر بأن عهد الاحتلال والاستعمار انتهى، وأصبح الاحتلال يقدم كوسيلة لحل المشاكل ويتم تهميش الوسائل التي من أجلها وجدت منظمة الأمم المتحدة. هذه المنظمة وُجِدت من أجل أن لا نلجأ إلى الحرب، بمعنى أن تكون الحرب هي آخر شيء، فإذا بنا نلجأ إلى الحرب، وحينما نلجأ إليها نجد بأن المجتمعات التي تكون ضحية هذه التدخلات والحروب والاحتلال، هي المجتمعات المسلمة، فهذا خلق شعورا بالمظلومية لدى مجتمعات كبيرة، وأظن بأن ما وقع في الشرق الأوسط كان حاسما وخاصة احتلال العراق وقمع الانتفاضة الفلسطينية والتغول الصهيوني. هذا كله دفع إلى ظهور هذه الدورة الإسلاموية، هناك من يعتبر بأننا في بداية هذه الدورة الإسلاموية، وهناك من يعتبر بأننا في وسط هذه الدورة، وهناك من يعتبر بأننا في نهاية هذه الدورة الإسلامية. أنا شخصيا اعتبر بأنه - نحن الآن - لا يمكن أن نقول بأننا في أوج هذه الدورة الإسلامية، لماذا؟ لأنني –أظن-بأن هذه الدورة الإسلامية أصبحت تتلقى الضربات وتتراجع منذ أحداث 11 شتنبر 2001، أي منذ تفجير المراكز التجارية، أظن أن تلك الحوادث شكلت بداية التراجع، لأن جزءًا كبيرًا من المجتمعات التي تعاطفت مع صعود هذه الحركات الإسلامية، بدأت تخشى أن يتحول ذلك التعاطف إلى تزكية للإرهاب، فعلى كل حال، وقع نوع من التشظي في هذه الحركات لأنه لم يعد لها ناطق واحد، لم يعد لها صورة واحدة، لم تعد تقدم لنا حلما واحدا، مثالا واحدا، أمامنا النموذج الإيراني لكن أمامنا أيضا النموذج التركي، مثلاً، عندما يكون هناك نموذج واحد مسيطر تكون الحركة قوية. إذن أظن أن الحركات الإسلامية، بالرغم من أنها مازالت قادرة على الانتصارات الانتخابية، لم يعد ممكنا أن نقول بأنها تعيش أوج قوتها.

 


مقبول مرفوض 147

أضف تعليقك




من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص والابتعاد عن التحريض الديني والطائفي أو العنصري...