• الرئيسية | التفاصيل | رقم المادة:210 الزيارات:1238

حادثة شارلي إيبدو: واقع الإقصاء ومبدأ الحق في التعبير مقاربة متعددة الزوايا

الأحداث الإرهابية في فرنسا

حادثة شارلي إيبدو: واقع الإقصاء ومبدأ الحق في التعبير مقاربة متعددة الزوايا


الأحداث الإرهابية في فرنسا

حادثة شارلي إيبدو: واقع الإقصاء ومبدأ الحق في التعبير

مقاربة متعددة الزوايا

 

 

    أيقظت حادثة شارل إيبدو الفرنسية  العديد من الأسئلة المضمرة التي لم تقتصر على الوضع الفرنسي الداخلي ، بل حاولت أن تمتد نحو السياسية الخارجية الفرنسية و علاقتها الجيوسياسية، خصوصا مع بلدان ما يسمى ب"الربيع العربي" . فقد حاولت المائدة المستديرة المنظمة من طرف مركز مدى حول  " حادثة شارلي إيبدو: واقع الإقصاء ومبدأ الحق في التعبير من خلال  مقاربة متعددة الزوايا " التفكير   في هذا الحادثة بعيدا عن أحكام القيمة المروجة من طرف الخطاب الإعلامي، وذلك من خلال تفكيك أسس  التي تقوم عليها العلمانية الفرنسية، وإعادة النظر في علاقة المسلمين بتراثهم داخل الحقل الديني الفرنسي، إضافة فهم حادثة شارل إيبدو من خلال السيرة الذاتية للأخوين كواتشي.

 

   هذه المقاربة المتعددة الزوايا ترمي لفهم حقيقة ما وقع في فرنسا بعيد عن الوسائط التي يروجها الخطاب الرسمي في بعديه السياسي و الإعلامي. فهل يمكن القول بأن هذه الحادثة الإرهابية هي حادثة فرنسية محضة أم أنها تتجاوز الحيز الفرنسي الجغرافي ؟ وهل هي مشكلة فرنسية أم أنها ترتبط بالتجاذبات السياسية و الدينية و العرقية التي تعرفها بلدان ما يسمى ب"الربيع العربي" ؟ و إلى حد يمكن اعتبار سخرية "مجلة شارلي إيبدو" من المقدس الديني هي السبب المباشر في ردة فعل الإرهابيين ؟ و ما علاقة السخرية بالمقدس ؟ وهل للسخرية الصحفية  الفرنسية حدود أم أنها ينبغي أن تمتد إلى حدود مجال المقدس ؟ وهل يمكن للسخرية الصحفية الفرنسية أن تمتد لتسخر كذلك من المحرقة السامية لليهود ؟  و ماهي المقدسات غير العلنية في المجتمع الفرنسي ؟ وهل هنالك توزيع عادل للقداسة على كل الفرنسيين ؟ و هل يتحمل الفرنسيون المسلمون مسؤولية ما وقع ؟ فهل أعاد الحقل الديني الفرنسي التفكير في علاقته بالتراث ؟ و إلى أي حد يمكن القول بأن جذور التطرف هي جذور تراثية ؟    

 

               

الشكلانية و الإمبريالية

اعتبر الباحث رضوان رشدي أن التنديد بالعنف و رفضه هو خيار مبدئي. فالعنف ينحدر بالإنسان إلى مراتب الدوابية التي تجعله أسير غرائزه الحيوانية المدمرة التي تنذر عند استفحالها بخراب العمران حسب عبد الرحمان بن خلدون. فتجليات العنف اليوم بادية، حيث اتخذت أبعادا متطرفة، نذكر هنا على سبيل المثال لا للحصر الهجوم المسلح على مدرسة تعليمية في باكستان، ما أودى بحياة العديد من التلاميذ الأبرياء.

 و لفهم سلوك العنف المتطرف، لابد حسب الباحث رضوان رشدي من مقاربة تاريخية تمكن من فهم الجذور الإيديولوجية لهذا الفكر المتطرف الذي هو فكر شكلاني، يتماهى مع حرفية و سطحية الخوارج. ولا يراهن هذا الفكر المتطرف على التغيير، بل يغرق في أحكام الوصف التي تحط من قيمة تدين الآخر، بناء على نصية صارمة تحكم نمط تفكير المتطرف، بحيث أن النصوص إذا أخذت بحرفيتها و ظاهريتها فقط، ضاق نطاقها و قل عطاؤها، و إذا أخذت بعللها و مقاصدها كانت معينا لا ينضب بتحقيقها لمقصود الشارع جلبا للمصالح و درءا للمفاسد.

   فإذا كانت النظرة النصية المنغلقة على ذاتها عاملا من عوامل تغذية العنف، فإن الفكر الغربي الإمبريالي في طابعه المادي الصرف، ساهم بحملاته الاستعمارية في تأجيج إيقاع العنف داخليا  و خارجيا، و ذلك من خلال سياسته الاستعمارية التي أبادت العديد من الشعوب المستعمرة، و جرتها   إلى حروب عالمية، كان المستفيد الوحيد منها هي القوى الإمبريالية الرامية إلى مراكمة الثروات، و لو كلفها ذلك أرواح الشعوب المستعمرة. الأمر الذي جعل المنطقة العربية منطقة على صفيح ساخن، تنذر في كل لحظة و حين بانفجار العنف المسلح.  

   ليخلص الباحث رضوان رشدي إلى أن إنسانية الإنسان مرتبطة بمبادئه و قيمه، بحيث ينبغي للفكر أن يكون سببا في إسعاد الإنسان، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن التعبير الإبداعي، يجب أن يقوم من داخل الإبداع ذاته، بعيدا عن كل ممارسة خارجة عن إطار الحقل الإبداعي. في إشارة واضحة إلى أن الإبداع ينبغي أن يواجه بالإبداع نفسه.

التجيير الإعلامي للإرهاب

   بين الباحث مختار بنعبدلاوي أن تسليط الأضواء بشكل مفرط على حادتة شارل إيبدو الإرهابية أخفى حقيقة الخيوط المتحكمة في الواقعة الإرهابية، داعيا إلى ضرورة التفكير في السيرة الذاتية للأخوين كواتشي. فلابد من العودة إلى ماضيهما، فهما ولدا في أحد الأحياء الهامشية في فرنسا، حيث توفيت أمهما، و توفي بعد ذلك أبوهما بسرطان الكبد. فبعد وفاة والديهما أصبحا بدون مأوى، لينتقلا إلى مدينة باريس عند عمهما الذي لم يتحملهما، حيث ألقاهما في الشارع ليصبحوا بدون مأوى. فقادتهما سلوكاتهما غير مشروعة إلى السجن الذي تعرفا بداخله على سماسرة الدين الذين عملوا على ترسيخ الفكر المتطرف لديهما. فالتحقا بعد خروجهما من السجن نحو معسكرات تدريبية في اليمن، حيث تم تجنيدهما للجهاد   في سوريا و العراق.

   بناء على هذه السيرة الذاتية، يتضح حسب الأستاذ مختار أن فرنسا فشلت على المستوى الداخلي في حل مشكل التهميش الذي تعرفه الأحياء الهامشية، حيث تصل نسب البطالة في صفوف شباب هذه الأحياء إلى أربعين في المائة. بينما خارجيا تتحمل السياسة الخارجية الفرنسية بشكل غير مباشر مسؤولية الحادثة الإرهابية" نظرا للدعم الذي قدمته لمجموعة من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية؛ فقد تواطأت فرنسا مع كبار جنرالات في الجزائر من أجل إيقاف المسلسل الديمقراطي داخلها، و توفير حماية لكبار قادة العسكر الجزائريين من المتبعات القضائية الخارجية .   

   و من اللازم الاعتراف بأن الظاهرة الإسلاموية في شكلها الإخواني، حظيت بأول دعم مالي من طرف بريطانيا من أجل تمكين حركة الإخوان المسلمين من سد الفراغ الذي سببه انسحاب فرنسا من الشرق الأوسط . هذا إلى جانب تسليح الغرب للإسلاميين و تجنيدهم  في أفغانستان ضد الإتحاد السوفياتي، ما تسبب في إنهاء القطبية الثنائية في العالم، و تعبيد الطريق لهزيمة العرب في حرب 1967 م. بعد ذلك تبنى الغرب مفهوم "الفوضى الخلاقة" من خلال إثارة النزعات الطائفية و القبلية التي فككت بنية المجتمعات العربية، و بررت مشروعية تواجد الأنظمة الاستبدادية  كأنظمة قادرة على صناعة وهم الاستقرار .

   لينتهي  الباحث مختار بنعبدلاوي  إلى أن حادثة شارل إيبدو الفرنسية هدية تستفيد منها الأنظمة الاستبدادية  في المنطقة العربية التي ستقايض أوروبا بالمعلومات الاستخباراتية حول أصول الجهاديين   و تحركاتهم داخل فرنسا و خارجها . هذا الوضع، يدعو حسب الأستاذ مختار إلى ضرورة توخي الموضوعية في قراءة هذا الحادثة ، مع توخي الحذر في عدم التسليم بالتجيير الإعلامي الذي تعرضت له حادثة شارل إيبدو في أوروبا .

 

العقل الاختزالي الفرنسي

   أكد الباحث محمد الغيلاني إلى أن حادثة شارلي إيبدو هي مشكلة فرنسية محضة، بحكم أن الفاعلين فرنسيون و الضحايا هم كذلك، مشيرا إلى أن الصلة التي تربطنا بالموضوع هي صلة الإسلام. و قد تناولت مداخلة الغيلاني تفاعل الحادثة الإرهابية مع أزمة العلمانية  الفرنسية، ومشكل تدبير الحقل الديني الفرنسي، ومشكل حرية التعبير في فرنسا. انطلاقا من هذه الزوايا، أورد الأستاذ الغيلاني مضمون الخطاب الإعلامي الفرنسي التزييفي الذي اعتبر الحادثة من الحوادث الأكثر دموية منذ القرن التاسع عشرة، معتبرا أن هنالك أقلام فرنسية أخذت مسافة من الخطاب الإعلامي الرسمي، حيث اعتبر مثلا الصحفي الفرنسي "دافين فانسو" في تصريح جريء أن صحفي "شارلي إيبدو" ليسوا شهداء للحرية. الأمر الذي يبرز أن فرنسا ليس لها موقف واحد مما وقع، بل هنالك مواقف تغرد خارج الخطاب الإعلامي الرسمي.

   لقد صرح الرئيس الفرنسي أن فرنسا ضربت في قلبها، بمعنى أنها ضربت في علمانياتها التي تصنف مقارنة بباقي العلمانيات في أوروبا بكونها من أشدها عداء للدين، بخلاف العلمانية البريطانية  التي قامت على تصور يعمل على تبديد الاختلاف الكامن بين الدين و المجتمع و الدولة. هذا ما يفسر تنامي الإسلاموفوبيا بعد حادثة "شارلي إيبدو" في المجتمع الفرنسي. فالعقل الفرنسي هو عقل اختزالي باسم حرية التعبير لأنه يختزل الإنسان العربي في تصور نمطي واحد. هذه الصورة النمطية تنعكس سلبا  على وضع الجالية المسلمة في فرنسا.

   وفي سياق مداخلته، وضح الغيلاني ما أشار إليه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران من كون العلمانية الفرنسية هي علمانية تنبني على عدم احترام المقدس الديني، حيث أبرز أن سخرية "شارلي إيبدو" هي سخرية بليدة، تثير العواطف لا العقل. فقد أشار الأستاذ الغيلاني إلى أن الرسومات الكاريكاتيرية لا تسيء لنبي الإسلام فقط، بل هي تسيء لكرامة الإنسان بدرجة أولى. و النتيجة التي سنصل إليها حسب إدغار موران هو انتشار الخوف المتبادل بين الإسلام و المسيحية و المسيحية.  

   يظهر في الختام أن جل المداخلات اتخذت موقفا رافضا للعنف كخيار من أجل التغيير، حيث  بينت جل المداخلات و أسئلة الحضور أن حادثة شارل إيبدو تتفاعل بشكل مباشر مع السياسية الخارجية الفرنسية و علاقاتها الجيوسياسية، و الأزمة التي تعيشها العلمانية الفرنسية، إلى جانب تفاعل الحادثة الإرهابية مع علاقة مسلمي فرنسا بتراثهم. 

  تطرقت أسئلة الحضور إلى علاقة الحرية بالمقدس، و مفهوم السخرية و تمييزه عن النقد العلمي، حيث اعتبر الناشط الحقوقي اللبناني قتيبة قاسم العرب أن هنالك تناقض يعرفه الوعي الفرنسي على مستوى السلوك الفني لرسامي الكاريكاتير، مبرزا أن المنتقد لمحرقة اليهود يقود صاحبه للسجن، بخلاف السخرية من المقدس الإسلامي التي تعتبر من صميم حرية التعبير. ليشير في السياق ذاته، الأستاذ الغيلاني          أن المقدس متجسد بشكل خفي في المجتمع الفرنسي من خلال تصوراتهم للحرية و الإلحاد، دعيا إلى عدالة المقدس الفرنسي، بمعنى توزيع عادل للقداسة على جميع المواطنين الفرنسيين.  

 

 

من إعداد أكضيض زكرياء


مقبول مرفوض 166

أضف تعليقك




من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص والابتعاد عن التحريض الديني والطائفي أو العنصري...