• الرئيسية | التفاصيل | رقم المادة:207 الزيارات:803

مسارات استنبات الجماعات الجهادية

الدكتور المختار بنعبدلاوي

في هذا المقال يتعقب الدكتور المختار بنعبدلاوي تغيرات ومسارات التحول في خريطة الجماعات الجهادية، منذ ظهور أسامة بن لادن نهاية ثمانينات القرن الماضي بأفغانسان، حينها كانت هذه الدولة "شوكة في قدم" المارد السوفييتي الذي كان العالم الغربي يتعبأ لاسقاطه..وصولا إلى اللحظة الراهنة التي استطاع فيها الإرهاب تدمير كل ما بناه المجتمع الإنساني خلال آلاف السنين.


تبدو خريطة الجماعات الجهادية، وحركة مدها وجزرها على قدر كبير من الغرابة. إنها تبرز في كل مرة خارج مسار وتوجهات المنطقة، ففي الوقت الذي خرج فيه مئات الآلاف من المتظاهرين من الرباط إلى البحرين، يطالبون بالكرامة وبالحرية، قذف التاريخ بحركات عنيفة ومسلحة، تشحذ أذهانها بمسن من العصر الحجري، وتصر على أن تعود بالمنطقة، بقوة الحديد والنار، إلى عهود دارسة.

 

منذ عقود، ما فتئ انبثاق هذه الجماعات يتكرر بالتعارض مع الدينامية الاجتماعية والسياسية في المنطقة، ولكن بالتوافق مع قطائع في سجل تحول منظومة العلاقات الدولية، وهو ما ينبئ أن هذه الجماعات وإن كانت تنطق باسم هوية المنطقة وعقيدتها، فإنها تصب في مجرى حسابات ومصالح بعض أقطاب ومحاور النظام الدولي.

 

في نهاية الثمانينات، كانت أفغانستان شوكة في القدم الروسية، وفي خضم تعبئة العالم الغربي لإسقاط المارد السوفييتي، خرج أسامة بن لادن من النقع كملاك نزل من السماء لتخليص العالم من قوى الشر...في وفرة من المال والسلاح، وبيئة دولية ملائمة، استقطب المجاهدين من كل بقاع الأرض، ومن فلسطين نفسها، لدحر الشيوعية، فتحولت أفغانستان من دولة مستقرة إلى جبهة من القبائل المتحاربة، وها قد مضى ما يقارب العقود الثلاثة دون أن تلملم البلاد أطرافها، بعد أن سرت العدوى إلى الجوار البعيد والقريب.

 

استنزف الاتحاد السوفييتي اقتصاديا وعسكريا في أفغانستان، وانهار كجبل جليد تسللت إليه خيوط شمس استوائية. ولعل أحد أهم مخرجات هذا الانهيار، الخلل الهائل في موازين القوى الذي نجم عنه في المنطقة العربية، وما ترتب عليها من عدوان على العراق، وصعود لإيران كقوة إقليمية، إلى جانب تركية، وتفرد إسرائيل كقوة ضاربة تتمتع بردع مطلق في المنطقة، إلى جانب تفريخ الحركات الإرهابية، واستفادتها من السلاح ومن التدريب، ومن الشبكات التي نسجتها خلال رحلة الجهاد الأفغاني.

 

ما إن حقق "المجاهدون" انتصارهم الرمزي في أفغانستان حتى انتشروا في كل بقاع المنطقة العربية لبث الرعب وإيقاف عجلة التاريخ. هكذا؛عندما انتهت مقاليد الحكم إلى يد رجل حكيم في الجزائر سنة 1979، وأعني به "الشاذلي بنجديد" ، وقرر أن يعيد الثورة إلى الشعب، ويعيد مصيره إلى يده، برزت قوتان صاعدتان لا مصلحة لكليهما بالديمقراطية: "الأوليغارشية العسكرية" المتحكمة في مقدرات البلاد، و"الإسلاموية الصاعدة" التي صرح قادتها غيرما مرة أن صناديق الاقتراع سوف تفتح لمرة واحدة، ثم تغلق أبوابها بعد ذلك نهائيا. بين هؤلاء وأؤلئك ودّعت الجزائر حلمها الديمقراطي الذي تحوّل إلى كوابيس بعد أن نزفت طويلا.

 

سنوات قليلة بعد ذلك، أعلنت "كونداليسا رايس" مشروعها حول "الفوضى الخلاقة"؛كان السؤال الكبير هو: كيف يمكن استنبات هذا المشروع في المنطقة العربية؟ وما هي هذه القوة الإقليمية القادرة على وضعه في موضع التنفيذ؟

 

كان مشروع مجلس الحكم في العراق إحدى نقط الارتكاز الأولى، لأنه بطبيعة تشكيلته رسم قدرا جديدا للعراق، ثم تلت الإعلان عنه عمليات قدح شحنات الحقد الطائفي، وتشكيل المليشيات، واختراقات الأجهزة القريبة والبعيدة قبل أن تنفجر الدملة الطائفية. في أشهر قليلة دارت عجلة إعادة بناء القبيلة والطائفة، وانطلق الصراع على النفوذ، وعلى النفط، والمقدرات.. وأصبحت الدولة الوطنية مجرد بقرة حلوب يرفض الجميع علفها ويتسابقون إلى حلبها وتقطيع أوصالها.

 

لا تختلف هذه الصورة كثيرا عنها في بلاد الشام.. كانت سورية إلى حدود سنة 2010، بلدا يحكي قصة نجاح، رغم تواضع موارده، فيما يخص مؤشرات الصحة والتعليم والأمن الغذائي، إلى جانب الاستقلالية السياسية، حيث كان مؤشر المديونية يكاد يعادل الصفر. كان المجتمع السوري مجتمعا متعددا دينيا وعرقيا ولغويا، تجمعه علاقات اندماج ثقافي وتاريخي وطيدة في ظل نظام اجتماعي وسياسي مدنون. كانت سورية على امتداد تاريخها نموذجا للتعايش، فقد استقبلت عشرات الآلاف من الأرمن المسيحيين، بعد المذابح التي تعرضوا لها من طرف الدولة العثمانية، كما استقبلت عشرات الآلاف من الشركس، ومئات آلاف الفلسطينيين الذين استفادوا من معاملة استثنائية، تساوت فيها حقوقهم مع السوريين، فيما يخص الحق في التعليم والصحة، والوظائف العمومية، وحتى في الدعم الذي تتلقاه الأسر.

في سنوات قليلة، استطاع الإرهاب أن يدمر ما بناه مجتمع كامل خلال آلاف السنين... وأصبحت الكراهية والأحقاد المتبادلة والثأر لُبّ العلاقة بين مكونات المجتمع. ربما تستطيع المجتمعات والدولة في سورية والعراق واليمن وليبيا... إعادة بناء البنيات التحتية على امتداد عقد أو عقدين من الزمن... ولكن كم من الأجيال تلزم حتى تعود المحبة والوئام بين أبناء المجتمع الواحد في كنف المواطنة؟

 

لا يمكننا أبدا فصل هذه الجماعات الطافحة كالفطر عن الفوضى الخلاقة، تبدو هذه المقولة الملغزة كطبخة "جرى تحريك آنيتها بكراع كلب" كما يقول المثل المغربي، وهي بمؤشرات ما جرى في الجزائر، وما قد يجري فيها، وبمعايير حرب القبائل في ليبيا أو الحساسيات الإثنية في موريتانيا، ليست قاصرة على المشرق العربي. إن هذه الطبخة لا تستثني أحدا، وهو ما يحضنا، بالإضافة إلى تحصين مجتمعنا بالديمقراطية وبالعدالة الاجتماعية، على الموازنة بين العزف على نغمة التعدد والاختلاف من جهة، والتأكيد على العام والمشترك من جهة ثانية. قد يكون التحصين الأمني أمرا مهما في مثل هذه الوضعيات، ولكن التحصين الثقافي يبقى هو الأهم، وبصورة خاصة تفعيل مجالات ومؤسسات الإدماج الاجتماعي، وربط الترقية الاجتماعية والسياسية بالكفاءة والاستحقاق، وإعطاء قيمتي العدالة والمساواة طابعا ملموسا ومشخصا؛ هذه هي كلمة السر التي يمكن أن تحول دون أن يصبح الاختلاف والتعدد بمثابة الشجرة التي تُخفي الغابة./.


مقبول مرفوض 191

أضف تعليقك




من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص والابتعاد عن التحريض الديني والطائفي أو العنصري...