• الرئيسية | التفاصيل | رقم المادة:188 الزيارات:399

ندوة النقد والتأويل

-

ندوة النقد والتأويل


عبد الله شيخ     :   فهناك غزارة على مستوى المنجز الإبداعي بالمقارنة مع محدودية التداول النقدي

عبد الرزاق بلال : ما يظل غائبا هو ما يتعلق بالنقد العربي باعتباره خطابا  

كمال فهمي       : العديد من مفاهيم النقد الفني تم التفكير فيها من داخل الفلسفة

عبد الكريم جدي : النقد العربي الحديث يعيش الآن حالت الاستيعاب و التمثل

    

      نظم مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية -مدى- يوم السبت 27 يونيو 2015 على الساعة الرابعة مساء بمقر مركز مدى ندوة تحت عنوان: "النقد والتأويل"، التي افتتحت بكلمات ترحيبية على لسان المسير والأديب نور الدين محقق، حيث قدم نبذة تعريفية و تاريخية عن النقد الفني .

         

      و في البداية، قدم الباحث عبد الرزاق بلالورقة معمقة و بحث أركيولوجي حول الخطاب النقدي العربي القديم، مبرزا أن معظم الدراسات المتداولة في مجال النقد العربي القديم  اتخذت مناحي  محددة. فنهجت منهجا تاريخيا أي تناولت النقد العربي في مسيرته عبر القرون، أو انطلقت في دراسة النقد العربي القديم بناء على الاتجاه أو التيار الأعلامي  للتعريف بأعلامه.

      واستحضر الناقد عبد الرزاق بلال أمثلة الناقد الأعصمي و سلام ثم إبن قتيبة إلخ، مبرزا تيار الدراسة الاصطلاحية لان الخطاب النقدي مليء بالاصطلاحات. فبعض الدراسات اختارت أن تتناول الخطاب النقدي القديم على الأقل من اصطلاحيته، وهناك أيضا اتجاه آخر حاول أن يوفق بين هذه التيارات سواء التي اتخذت المنحى التاريخي أو الاعلامي أو الاصطلاحي أو غير ذلك.

      و لكن ما يضل غائبا هو ما يتعلق بالنقد العربي باعتباره خطاب، بمعنى المدونة النقدية التي ينظر إليها بكونها خطاب . فإذا ثم التسليم بأن النقد العربي كانت بدايته مع رسالة الفحولة للأصمعي، و يمكن القول  انه انتهى مع حازم القرطاجي في كتابه منهاج البلغاء و سراج الأدباء على امتداد هذه الفترة. مع العلم  أن العمل النقدي هو عبارة عن مدونة لم يلتفت إليها باعتبارها خطابا.

       فالبحث في  كيفية و طرق اشتغال المدونة قد يقدم أشياء ربما غابت عن كل هذه الاتجاهات سواء كانت التاريخية أو الموضوعاتية أو الأعلامية أو الاصطلاحية إلى غير ذالك بطبيعة الحال. فيصعب أن يزعم احد أن بإمكانه أن يتناول الخطاب النقدي القديم، ولا المدونة النقدية باعتبارها خطاب. فهذا عمل مجموعات و ليس عمل الفرد لان الخطاب يقتضي الوقوف على جميع مكوناته من المؤلف و المتلقي ومكونات الخطاب، وكل ما يتعلق بآليات الخطاب.

      ولهذا فمن الصعوبة تناول المدونة النقدية في شموليتها، لذلك ركز الباحث بلال عبد الرزاق على النظر في واحدة من عناصر هذه المدونة، مقتديا بمقدمات الكتب النقدية  لأنها كما هو الشأن في جميع المؤلفات فإنها تفتتح بمقدمة. فسحب مركز الثقل في المؤلفات القديمة لكي لا تكاد المقدمات تتحول إلى بيانات، لأن في بعض الأحيان تصبح مقدمة بعض الكتب النقدية تعلو على المتن، فمثلا إذا أخد كتاب فحول الشعراء، فإن مقدمته لا تتجاوز50 صفحة التي تعتبر صلب الخطاب النقدي بالمقارنة مع باقي الصفحات التي هي في حدود 650 صفحة.

      فهذه المقدمة تشكل مركز الثقل، بل أكثر من حيث أن الجهد النقدي لإبن قتيبة يوجد في هذه المقدمة أكثر مما يوجد في متنه، لأن هذا الأخير هو عبارة عن مرويات كثير من الشعراء بأسمائهم و ألقابهم وحياتهم إلى غير ذلك. فهذه الزاوية في المتن هي أقرب إلى رجل إخباري أكثر منه ناقد. فأين يتجلى وجود الناقد ؟ هو في تلك المقدمة، و من تم صارت المقدمة بمثابة آلية جعلت من كتاب الشعر و الشعراء خطابا نقديا.

      و تتجلى أهمية المقدمة في كونها تتسم بهذه السلطة التي تمنحها إمكانية إطفاء مشروعية انتماء كتاب لخطاب دون خطاب، لأن لو اعتمدنا الجانب الكمي للاحظنا أن الكتاب هو أقرب إلى الإخبار و الأنساب منه إلى النقد. و لكن الذي أطفا عليه صبغة النقد هي المقدمة. فيمكن أن نتناول في المقدمة كثيرمن الجوانب، كافتتاح الكتاب مقدمته بعنوان على شكل عتبات. وملاحظة المقدمة و إشكالية التأليفمن حيث  كيفية اشتغالها، لان العادة تجري أن المؤلف في بداية كتابه يتكلم عن الأسباب التي دعته إلى إخراج مؤلفه.ولكن لابد من الانتباه إلى أن مساءلة الغاية من التأليف، تقودنا إلى لعبة الخطاب. فهناك مكر في هذه الإشكالية التي اختار الباحث عبد الرزاق  أن ينظر في صيغتين لكل من "بن قتيبة" في كتابه الشعرو الشعراء، و مقدمة عيار الشعر ل"إبن طباطبة" العلوي التي تم التركيز فيهما على أسباب التأليف فقط .

      وفي إطار  النقدي العربي الحديث، تقدم الباحث عبد الكريم جدي  بمداخلة ثانية بعنوان " الممارسة النقدية الحديثة : بداية المسار و عوامل التشكل"، مبرزا  في ورقته معطيين اثنين : هما كيف بدأ النقدفي العصر الحديث، و بدايات المسار و عوامل التشكل . فهناك من يقول أن النظرية الأدبية لم تأتي إلا بعد القرن التاسع عشر. و لكن هنالك منظور يرى أن هناك نَقاد قبل مرحلة النقد التاريخي أو الانتفاعي.

      فالنقد العربي عرف ظهور العديد من المقاربات و المناهج التي عملت على دراسة الأدب و خطابه، وعلى الرغم من أن مؤرخ الأدب قد يجد نفسه أمام ركام من المناهج التي عملت على النص الأدبي وإشكالية المعنى في النص و الشرح و التأويل، بما فيها النصوص المؤلفة للثقافة و الحضارة و الحرية العربية التي عملت على معالجة النص الأدبي، فإنه يستخلص في الأخير أن هناك نتيجة مفادها أن هذه المقاربات يمكن توزيعها إلى قسمين : مقاربات خارجية تناولت النص من الخارج أو مقاربات بدأت ما بعد القرن التاسع عشر، وهي من الداخل لأنها تحاول أن تبحث عن المعنى من الداخل.

      و نتيجة لذلك، يقصد بالاتجاه الأول الشرح و الإيضاح كما كان عند النقاد القدماء سواء في الحضارة العربية القديمة أو في الثقافة الغربية، و الترجمة لعمل أدبي معين. ويقصد بالاتجاه الثاني التعامل مع مفاهيم أدبية يقوم الاتجاه نفسه بتكوينها وتشكيلها لأن المفاهيم تتكون من قلب الأدب و ليس من خارجه. وقد نتج عن هذين الاتجاهين الحديثين  التفسير و النظرية؛ فالتفسير الحرفي و التفسير الرمزي، فهناك من كان يفسر تفسيرا حرفيا ما يقوله النص، وحسب ما ينطبق في ذهن القارئ من قراءته للنصوص.

       فهناك من كان يحاول أن يؤول هذه الرموز بدل التفسير الحرفي الذي كان تفسيرا انطباعيا، والتوجه نحو التفسير الرمزي الذي اتخذ منحا فلسفيا  من خلال البحث في ماهية الأدب. وركز الباحث جدي على معرفة المسار و التطور الذي عرفته العلاقة بين الأدب  كمنتوج تخييلي باعتباره مجموعة   من النصوص و طرق دراسته و مناهج تحليليه .

      و من المعلوم أن العلوم الدقيقة حققت نتائج مبهرة في القرن التاسع عشر، فإن العلوم الإنسانية حاولت أن تنحو هذا المنحى الذي ساهم في تطوير مناهجها و حصر موضوعها. غير أن النقد الأدبي كفرع من العلوم الإنسانية في هذه الآونة  كان يعيش وضعية حرجة من خلال بحثه عن طريق تمكنه من الاستقلال بنفسه. ويقول "نيوقبسون" في هذا الإطار : "موضوع الأدب ليس هو الأدب، وإنماهو الأديب"، وبذلك حصر النقد الحديث في إطار النص.

      ونجد في السياق ذاته الفرق مابين الدراسات النقدية القديمة والدراسات النقدية الحديثة حسب عبارة "فيسلوفسكي" : "  أن الأدب كان أرضا مشاعا لا مالك لها يخضع إلى تحليلات من كل العلوم ". لهذا دراسات حركة "شكرانية الروس" و المدارس الشعرية الحديثة، و ظهرت أبحاث تهتم بالسردية مع "بلادمير بروب"، و أخرى تهتم بدراسة الأسلوبية  مع  " ريخومباخ وتينياهور و باختين"،و الإيقاعية مع "بريك و تينياهور"،  و الصوتية و الدراسات السميائية مع "جريماص".  و خلص في الأخير  إلى أن النقد العربي الحديث يعيش الآن حالت الاستيعاب و التمثل، حيث مازال ينتقل إلى مرحلة الحوار . فهناك محاولات من نقاد المغاربة، و نقاد العرب للانتقال  من الحوار إلى الإنتاج، ما يعني إنتاج نظرية نقدية . الأمر يحتاج إلى تضافر الجهود في كل المجالات المعرفية . 

      وفي المداخلة الثالثة، تطرق ورقة الباحث كمال فهمي لموضوع بعنوان :  " من فلسفة الفن إلى النقد الفني". فمن المعلوم أن التفكير في الفن هو موضوع قديم ينتمي إلى الفلسفة، و تفكير أفلاطون في كتابه الجمهورية أظهر أن الفن و الفنان لا مكان لهم في المدينة الفاضلة، حيث يعتبرهم مجرد مقلدين يتعاملون مع ظاهر الأشياء، و لا يدركون الحقيقة. ومسألة المحاكاة عند أفلاطون هي  مقولة تخترق النقد الفني اليوم.

       ونجد الفيلسوف أرسطو لا يؤمن بالمثل و بوجود عالم آخر كما هو الشأن بالنسبة لأفلاطون، معتبرا أن العالم الحقيقي هو الذي نعيشه.  ورفض أرسطو التصور الأفلاطوني مبرزا - تحليله لتراجيديات- أن له موقفا و وظيفة سيكولوجية، وهي التطهير. رغم أنه يتبنى فكرة الفن كمحاكاة. وهذه مسألة كانت سائدة في أكاديمية أفلاطون، غير أن أرسطو يمنح فكرة المحاكاة معنى عنى آخر، فهي طبيعة بشرية  وتعد من قوانين الفن التي لا ينبغي الانتقاص من قيمتها.

      و انتقل الباحث كمال فهمي إلى الفيلسوف هيجل في القرن التاسع عشر الذي تساءل عن الحاجة إلى مشاهدة لوحات فنية أو مسرحا للحيوانات أو مناظر أو أحداث سبق لنا أن عرفناها، فهي مجرد مشاهد  باعثة على الغرور و الإعجاب بالذات.  وقد تساءل هيجل  عن المحاكاة و قيمها، مبرزا  أن الفن ليس محاكاة للطبيعة، بل هو إنتاج للروح . تتمثل فيه الروح و العقل. و من هنا صاغ تصورا حول تاريخ الفن في العصر اليوناني حتى القرن التاسع عشر، وهو يقسم تاريخ الفن إلى المراحل التالية :  المرحلة الرمزية مع  الفراعنة ثم المرحلة الكلاسيكية مع الفن اليوناني، ثم المرحلة الأخيرة التي هي مرحلة الرومانسية التي اعتبرها أرسطو نهاية الفن، وبالتالي تنبأ بموت الفن.

      فلا يمكن حسب الباحث كمال فهمي مناقشة  كل النظريات، غير أن العديد من المفاهيم الفنية تم التفكير فيها من داخل الفلسفة، وهي الفكرة التي يجب أن نحتفظ بها مسألة العبقرية و الذوق وعلاقة الفن بالواقع. هذا الإطار يشكل أرضية اشتغل عليها النقاد في الفن الحديث. بعد ذلك وضح الباحث كمال فهمي  خصوصية المقاربة النقدية باعتبارها مقاربة حديثة. فالنقد الفني هو توصيف للأثر الفني و تحديد لشخصيته، وتحديد لمكانته و تحديد لقيمته على المستوى المحلي و العالمي، و تمكين للتلقي من أجل الدخول إلى عالم الأثر الفني، و تذوقه و تطوير الممارسة الفنية. هذا هو مجال النقد الفني .

      و قد طرح الباحث كمال فهمي سؤال : هل النقد علم أم فن ؟  معتبرا أن النقد ليس علما، بل هو فن. وقد ارتبط النقد الفني في أوروبا في بدايته بالأدب، بحيث كان هنالك نقاد الفن التشكيلي من الأدباء،ونجد أعظمهم و أشهرهم "بودلير" المعروف في كتاباته بدفاعه عن الاتجاه  الرومانسي. و من هنا تم طرح سؤال : ما هي الأسباب التي أدت إلى النهضة النقدية في الأدب ؟ أولا في نهاية القرن الثامن عشروبداية القرن التاسع عشر ظهر مجموعة من الفنانين في فرنسا، وهم الانطباعيون. وهذا التجديد الذي وقع في مجال الفن أعطى دفعة كبيرة لمجال النقد لأن هناك إبداع فني، و هناك مبدعون كبار جدد. فلا يمكن أن نتكلم عن تطور النقد دون أن يكون لدينا إبداع . و السبب الثاني هو تنظيم الصالوناتمن طرف الدولة التي كانت تعرض فيها أعمال الفنانين لكي يشاهد الناس هذه الأعمال و يناقشوها. ومن هنا  بدأ تطور النقد الفني . والعامل الثالث هو الصحافة التي واكبت التطور الفني، حيث نجد مجلات خاصة بمجالات فنية محددة .

      وفي المداخلة الرابعة، قدم الباحث عبد الله شيخ  في الفن و النقد الجمالي منظوره حول العلاقة الانفصامية بين المنجز الإبداعي و المنجز النقدي. فهناك غزارة على مستوى المنجز الإبداعي بالمقارنة مع محدودية التداول النقدي. ووضح الباحث شيخ أن القاعدة الذهبية تنطبق على جميع الممارسات بمختلف أشكالها التعبيرية، مبرزا أن النقد في اللغة العربية هو التمييز بين الجيد و الرديء، بين العملة الصحيحة و العملة الزائفة، وحتى في المعاجم الغربية فالنقد يحيل هنا على التمييز بين نقط قوة و نقط ضعف. ومن تم  فالنقد بمحمولته اللغوية الاشتقاقية لا يمارس، وعندما مورس في حقبات تاريخية عدة قديمة و كلاسيكية تعرض لعدة مواجهات.

       و استحضر الباحث عبد الله شيخ  في هذا الإطار ما أشار إليه المؤرخ " فزاري" في عصر النهضة الذي حذر النقاد من إطلاق مجموعة من الأحكام المتسرعة، و كانت مثل هذه الأحكام النقدية تحبط الفنانين و المبدعين، وقولته المشهورة في هذا السياق :  " علينا عندما نحلل عملا فنيا أن لا نقوم  بدور الناصحأو المرشد، بل بدور المتبني المتواضع الذي يتحرى الحقائق بالشكل و اللون ". و هنا انتصر هذا الناقد لسلطة المبدع مقارنة بدل سلطة الناقد .و نعلم أيضا في تاريخ الفن أن رائد من رواد عصر النهضة،وهو "بوديتشيلي" قد هاجر الرسم 17 سنة بسبب سوء فهم النقاد لأعماله لأنه قد استبدل  جمال الأجسام بجمال الخطوط، وكان أول من دشن الرسم تخطيطي الراقص الذي قورن بفن "الأرابيسك" .    

 

من إعداد نزهة الرغاي


مقبول مرفوض 151

أضف تعليقك




من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص والابتعاد عن التحريض الديني والطائفي أو العنصري...